مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

15

تفسير مقتنيات الدرر

ثمّ لا يزال يرتقي على هذه الحالة إلى أن يتمّ السنة الحادية والعشرين وهناك يتمّ الأسبوع الثالث ، ويدخل في السنة الثانية والعشرين وهذا الأسبوع آخر الأسابيع النشور والنماء . فإذا تمّت الثانية والعشرون فقد تمّت مدّة النشو والنماء وينتقل الإنسان منه إلى زمان الوقوف وهو الزمان الَّذي يبلغ فيه أشدّه وبتمام الأسبوع الخامس يحصل للإنسان خمسة وثلاثون سنة ثمّ إنّ هذه المراتب مختلفة في الزيادة والنقصان . وهاهنا تحقيق وهو أنّ المراد بالحكم صيرورة النفس المطمئنة قاهرة وحاكمة على النفس الأمّارة بالسوء مستعلية عليها ومتى صارت القوّة الشهوانيّة مقهورة ضعيفة فاضت الأنوار القدسيّة والأضواء الإلهيّة من عالم القدس على جوهر النفس ، وجوهر النفس خلقت قابلة للمعارف الكليّة والأنوار العقليّة وجواهر الأرواح البشريّة مختلفة منها زكيّة ومنها بليدة ومنها خيرة ومنها نذلة وشريفة وخسيسة ومنها عظيمة الميل إلى عالم الروحانيّات وعظيمة الرغبة في الجسمانيّات فهذه الأقسام كثيرة ، وكلّ واحد من هذه المقامات قابل للأشدّ والأضعف والأكمل والأنقص فإذا اتّفق بأن كان جوهر النفس الناطقة جوهرا مشرقا شديد الاستعداد لقبول الأضواء العقليّة واللوائح الإلهيّة فهذه النفس في حال الصغر لا يظهر منها هذه الأحوال لأنّ النفس الناطقة إنّما يقوى على أفعالها بواسطة استعمال الآلات الجسديّة الَّتي يعبّر بالحكمة العمليّة وهذه الآلات في حال الصغر تكون الرطوبات والموانع مستولية عليها ، فإذا كبر الإنسان واستولت الحرارة الغريزة على البدن نضجت تلك الرطوبات واعتدلت وقلَّت الموانع ، فصارت تلك الآلات البدنيّة صالحة لأن يستعملها النفس الناطقة فإذا كانت النفس في أصل جوهرها شريفة فعند كمال الآلات البدنيّة تكمل معارفها وتقوى أنوارها وإلى هذا الإشارة بقوله : « وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّه ُ آتَيْناه ُ حُكْماً وَعِلْماً » والمراد من العلم والحكم استكمال النفس في قوّتها العمليّة والنظريّة انتهى . قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 23 ] وَراوَدَتْه ُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِه ِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّه ِ إِنَّه ُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّه ُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 23 ) .